أحمد بن محمد ابن عربشاه

68

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

لم أقطع علائقى ، وأودّع جارى ومرافقى ، وأبتّ مالي من التعلقات وأجيء وما ورائي التفات ، وأنا إن ولجت هذه الغيضة ، ورعيت مروج « 1 » هذه الروضة ، ورأيت ما فيها من المنتزهات ألهتني عمّا لي من تعلقات ؛ فتضيع إذ ذاك مصلحتى ، وتذهب عند جيراني ودائعى وذخيرتى ، ولا أقدر على مفارقة هذا المقام النّزه ، ومجاورة مثلك أيها الجار الفكه ، وقد عزمت على الرجوع لأصحب ما لي من مال وأثاث مجموع ، وأجيء وقلبي مطمئن وخاطري عن الالتفات مستكن . قال ابن آوى : اترك مالك ولا تؤخر أوقات السرور ، وساعات الفراغ والحبور ، وما خلفته فهو لك وتلافيه أمر مستدرك ، ولا بأس أن تدخل هذا المكان وتدور في هذا البستان وتتعاهده ، ولو مرة وتشاهده ولو نظرة ، ثم تعود وتفعل ما تريد ، وبالجملة فتأخير أوقات السرور غير محمود ولا مشكور . فقال الحمار : الأمر كذلك وقاك الله شر المهالك ، ولكن أقوى الدواعي في هذه القضية ، والحامل على الرجوع وإن كان بلية ؛ وصية من أبى كانت عندي خفية ، كنت أعمل بها وأمشى في دربها ، ولا أفارقها في نومى ولا يقظتى ، وكنت جعلتها حرزا أعلقه في رقبتي ، وإذا لم تكن معي في مسيري ومضجعى ، لا يقر لي قرار ولا يأخذني اصطبار ، ويعتريني شبه الأوام « 2 » وأرى خيالات فاسدة في المنام ، وتغلب على دماغى فنون السوداء ، ولا أجد منها دواء لذلك الداء ، وفيها وصايا نفيسة لروح العقل بمنزلة الأعضاء الرئيسة ، فإذا حصلت على تلك الوصية المعيّنة فقضية ما سواها هينة ، ثم ألوى راجعا لا سامعا لابن آوى ولا طائعا .

--> ( 1 ) المروج ، مفردها مرج : الأرض الخضراء الشاسعة . ( 2 ) ألم الرأس .